علي صوتك
صوتك صوت جيل بحاله

الفساد في المجال الاقتصادي والاستثماري

سوء وفساد الإدارة الاقتصادية
:

نعم تولي النظام الحالي التركة المصرية في أكتوبر عام

1981 وهي مثقلة بالديون " 40 مليار دولار " وفي واقع عربي منعزل لمصر ، ولكن يحسب عليه أنه قد أتيح لمصر في الفترة من 1974 إلى عام 2004 من الموارد المالية والاقتصادية الهائلة ما لم يتحقق لها على مدار تاريخها المعاصر ، حيث بلغت حوالي 500 مليار دولا ، وهي حصيلة أربعة مصادر رئيسية كبرى هي : تحويلات العاملين بالخارج ورسوم المرورفي قناة السويس ، ودخل البترول المصري ثم أخيرا الإيرادات الرسمية للنشاط السياحي ، فعلي سبيل المثال وصلت تحويلات العاملين المصريين بالخارج منذ أن تولى مبارك الحكم عام 1981 وحتى عام 2004 نحو 85 مليار دولار ، مما يجعل سؤال الإدارة الاقتصادية جوهريا وأساسيا لأنه ضياع لفرص التنمية المهدرة . وإذا أخذنا نموذجا من بيان الحكومة الأخير عام 2006 نجد هذا البيان كما هي العادة متخما بالكثير من الإحصاءات المتناقضة مع البيانات الرسمية, وزاخرا بما سمي بالإنجازات التي جاءت إما متناقضة مع البيانات الرسمية نفسها, أو هي أبعد ما تكون عن الإنجاز, أو هي محل جدل.

وإذا بدأنا بما ورد في البيان عن المؤشرات الأساسية الخاصة بالاستثمارات الجديدة والنمو والتضخم والبطالة

, سنجد أنه أشار إلي أن قيمة الاستثمارات الجديدة بالأسعار الجارية بلغت نحو92.5 مليار جنيه في العام المالي2005/2004 مقابل79.6 مليار جنيه في العام المالي السابق عليه بزيادة نسبتها16.2%. لكن رئيس الوزراء نفسه أشار في موضع لاحق إلي أن معدل التضخم بلغ16.7% في عام2005/2004, وبالتالي فإن الحجم الحقيقي للاستثمارات تراجع بشكل طفيف في أحسن الأحوال. كذلك فإن المؤشر الأهم هو معدل الاستثمار أي نسبة ما تنفقه الأمة من ناتجها المحلي الإجمالي علي بناء أصول إنتاجية وخدمية جديدة, وقد بلغ معدل الاستثمار في العالم المالي2005/2004 نحو16.6% مقارنة بنحو16.4% في العام المالي2004/2003, وهو مستوي شديد التدني لهذا المعدل في العامين الماليين المذكورين. وللعلم فإن متوسط معدل الاستثمار في العالم بلغ21% في عام2004 وقد بلغ المعدل نحو45% في الصين التي تتصدر العالم في معدلات النمو, وبلغ نحو39% في المتوسط في بلدان شرق آسيا والباسيفيكي التي تتوافر لحكوماتها ومجتمعاتها إرادة الاقتطاع من الدخل الحالي والحرمان من الإشباع الاستهلاكي الآني, من أجل بناء أصول إنتاجية وخدمية جديدة لتحقيق إشباع أعلي في المستقبل وللأجيال القادمة. وهكذا فإنه فيما يتعلق بمعدل الاستثمار المحرك للنمو الاقتصادي فإن المعدل الذي حققته الحكومة في العام المالي السابق والأعوام المالية السابقة عليه يعتبر من أدني المعدلات في العالم والمنطقة, ويستحق أن يذكر كتعبير عن الفشل وقصور الأداء ولا غير ذلك. أما بالنسبة لمعدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي فإن بيانات صندوق النقد الدولي المعتمدة علي بيانات حكومية مصرية تشير إلي أن هذا المعدل بلغ4.1% عام2004 ومن المقدر له أن يكون قد بلغ4.8% عام2005 والحقيقة أن المعدل المتحقق في عام2005 يقل كثيرا عن نظيره في مجموع الدول النامية والذي بلغ6.4%, وعن النمو الصيني الذي زاد علي9%, وعن النمو في مجموع دول شرق وجنوب شرق وجنوب آسيا والذي بلغ7.8% مما يعني أن مصر مازالت ضمن الدول النامية البطيئة في النمو الاقتصادي.

أما بالنسبة لمعدل البطالة فإن بيان الحكومة يشير إلي أنه انخفض من

10% إلي9.5% للمرة الأولي منذ سنوات طويلة, وهو أمر يتناقض مع البيانات الرسمية التي تشير إلي أن معدل البطالة بلغ9% عام2002/2001, وارتفع إلي9.9% في العام المالي2003/2002, وثبت عند نفس المستوي المرتفع في العام المالي20004/2003, ثم ارتفع إلي10% في العام المالي2005/2004, وبالتالي فإن الحديث عن أن وصول معدل البطالة إلي9.5% هو إنجاز لم يتحقق منذ سنوات, هو حديث غريب ومناقض للبيانات الرسمية. وتجدر الإشارة إلي أن البيانات الرسمية في مجملها محل نقد علمي شديد, لأنها قائمة علي أن عدد العاملين فعليا بلغ19.1 مليون عامل من أصل قوة العمل المصرية عاملين وعاطلين معا التي بلغ تعدادها21.2 مليون شخص في العام المالي2005/2004 لكن بيانات البنك الدولي تشير إلي أن قوة العمل المصرية بلغت26.7 مليون نسمة في عام2003, أي أنها لن تقل بأي حال من الأحوال عن27,5 مليون نسمة في العام المالي2005/2004 وإذا أخذنا بهذا التقدير الأكثر واقعية, فإن عدد العاطلين يمكن أن يتضاعف ويصل إلي نحو8 ملايين عاطل ويرتفع معدل البطالة إلي قرابة29% من قوة العمل المصرية. وفي ظل عدم وجود نظام لإعانة العاطلين, فإن البطالة التي تمنع القادرين علي العمل والراغبين فيه من كسب عيشهم بكرامة, تدفعهم إلي هوة الفقر إلي العيش عالة علي أسرهم, وتجعلهم أرضا خصبة لتنامي نزعات العنف الأسري والجنائي والسياسي.

ويشير بيان الحكومة إلي أنه تم توفير

256,8 ألف فرصة عمل في مشروعات مولها الصندوق الاجتماعي بقيمة1178 مليون جنيه, أي أن تكلفة فرصة العمل وفقا لهذا التقدير تبلغ أقل من4600 جنيه, وهي تكلفة غير واقعية بالمرة لأن التكلفة الحقيقية لايجاد فرصة عمل دائمة في المشروعات الصغيرة لا تقل عن15 ألف جنيه في الوقت الراهن, وبالتالي فإن عدد فرص العمل الدائمة التي يشير بيان الحكومة إلي أنه تم إيجادها في مشروعات الصندوق الاجتماعي غير دقيق ويحتاج لمراجعة ربما تخفضه بأكثر من الثلثين.

وأشار بيان الحكومة أيضا إلي أنه سيتم تطبيق البرنامج الانتخابي للرئيس لإيجاد

4,5 مليون فرصة عمل حتي عام2010, ويشير البرنامج إلي أنه سيتم تقديم3 مليارات جنيه كقروض صغيرة تتراوح بين5 و10 آلاف جنيه لإيجاد600 ألف فرصة عمل بواقع5 آلاف جنيه كتكلفة لإيجاد فرصة العمل في هذا المجال.. وهذه التقديرات لتكلفة استحداث فرصة عمل في هذا المجال هي تقديرات مثبتة منذ15 عاما وهي غير واقعية في ظل الارتفاعات المتواصلة للأسعار. والحقيقة أن فرص العمل التي يمكن استحداثها من خلال هذه المليارات الثلاثة لن تزيد علي200 ألف فرصة عمل, بافتراض أن المشروعات التي ستقام من خلال هذه القروض ستكون ناجحة فضلا عن أن نجاح المشروعات الصغيرة يتوقف علي وجود حضانة قومية لهذه المشروعات في كل مراحلها وعملياتها.

أما البرنامج الثاني فيتضمن استحداث

900 ألف فرصة عمل جديدة خلال السنوات الست القادمة, من خلال تمويل نحو2000 مشروع سنويا بقيمة5 ملايين جنيه للمشروع الواحد, وبقيمة إجمالية تبلغ10 مليارات جنيه سنويا, تقدم البنوك نحو5 مليارات منها. وحسابات هذا البرنامج قائمة علي ان صغار ومتوسطي رجال الأعمال سوف يقدمون5 مليارات جنيه كاستثمارات لتمويل هذا البرنامج, وهو أمر يتوقف إجمالا علي توافر هذا التمويل لدي رجال الأعمال الصغار والمتوسطين وتصوراتهم حول مناخ الاستثمار في مصر وهذا البرنامج هو مجرد إعلان نوايا طيبة لا يتضمن أي آليات عملية للتطبيق.

وبالنسبة للبرنامج الثالث المسمي برنامج الألف مصنع الذي يتكلف علي مدي السنوات الست القادمة نحو

100 مليار جنيه, ويتم من خلالها بناء ألف مصنع كبير يقوم الجهاز المصرفي بتقديم ائتمان قيمته52 مليار جنيه لتمويلها, ويقوم أصحابها بتدبير الـ48 مليار جنيه لاستكمال التمويل, فإنه سيؤدي إلي استحداث1.5 مليون فرصة عمل وفقا لتصورات من وضعوه. وهذا البرنامج هو الآخر يتوقف إجمالا علي توافر هذا التمويل لدي رجال الأعمال الكبار ومدي قناعتهم بمناخ الاستثمار في مصر, أما عدد فرص العمل التي سيتم استحداثها من خلال هذا البرنامج بافتراض تطبيقه بالكامل فإنا تصل إلي1.5 مليون فرصة عمل بتكلفة تبلغ66.7 ألف جنيه لفرصة العمل الواحدة, وهذا التقدير بعيد تماما عن الواقع وعن البيانات الحكومية نفسها ووفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة فإن تكلفة فرصة العمل الدائمة في المشروعات الاستثمارية بلغت نحو250.3 ألف جنيه, حيث بلغت التكاليف الاستثمارية للمشروعات الاستثمارية التي أنشئت منذ منتصف السبعينات وحتي منتصف عام2003, نحو375,45 مليار جنيه, ولم توفر سوي1.5 مليون فرصة عمل. راجع: الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة, التقرير السنوي2003/2002, المقدمة وبالتالي فإنه بافتراض أن هذا البرنامج قد تحقق, وبافتراض ثبات تكلفة فرصة العمل كما كانت في الفترات السابقة فإن أقصي ما يمكن أن يوجده من فرص العمل هو نحو400 ألف فرصة عمل علي مدي السنوات الست القادمة وترتيبا علي كل ذلك, فإنه إذا كانت الحكومة جادة في حل أزمة البطالة عليها أن تبحث عن حلول مغايرة أو إضافية لبرامجها غير الكافية لمواجهة الأزمة.

أما بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي أشار بيان الحكومة إلي أنها بلغت نحو

3.9 مليار دولار, فإن الحكومة ارادت تضخيم حجمها لترويج صورة غير واقعية عن كفاءتها, فقامت بأمرين: الأول هو دمج الاستثمارات الأجنبية في قطاع البترول في بيانات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لأول مرة وعلي غير المعمول به في مصر وفي باقي بلدان العالم, وهو ما أضاف2.5 مليار دولار لقيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدون أي وجه حق, خاصة أن هذه الاستثمارات التي تم الاتفاق عليها تنفق علي عدة سنوات وليس في العام الذي تم الاتفاق فيه عليها. أما الأمر الثاني فهو الإفراط في بيع الأصول العامة للأجانب في إطار برنامج الخصخصة الذي شابت الغالبية الساحقة من عملياته شبهات الفساد وإهدار المال العام, وهذا الإفراط في البيع للأجانب يتم تسجيل متحصلاته علي أنها استثمارات أجنبية مباشرة. وصحيح أن عمليات بيع الأصول العامة للاجانب تعني حدوث تدفقات مالية أجنبية إلي مصر, لكنها لاتعني أي زيادة في الاستثمارات لأن تلك التدفقات توجهت إلي شراء أصول إنتاجية قائمة ومنتجة فعلا, ولذلك فإنها استثمارات أجنبية مباشرة زائفة.

وفيما يتعلق بما يسمي بالبعد الاجتماعي

, أشار بيان الحكومة إلي أن معاشات الضمان الاجــــــــــتماعي تصرف لـ744 ألف أسرة بقيمة500 مليون جنيه في العام, بمتوسط56 جنيها للأسرة شهريا, وسيتم رفعها إلي1.1 مليار جنيه تقدم إلي مليون أسرة بمتوسط92 جنيها تقريبا للأسرة في الشهر والحقيقة أن هذه المعاشات متدنية للغاية ولا تكفي لتحقيق أي حد أدني من حياة كريمة لفرد واحد وليس لأسرة كاملة, ولابد من رفعها للضعف علي الاقل ورفعها سنويا بنسبة تزيد علي معدل التضخم الحقيقي للحفاظ علي قدرتها الشرائية وإذا كان المستفيدون سيرتفعون إلي مليون أسرة فإن تعدادهم يمكن أن يصل إلي4 ملايين نسمة أي قرابة6% من تعداد السكان, فهل سيكون ثقيلا علي الحكومة أن تخصص لهم2.5 مليار جنيه من الموازنة القادمة التي ستصل علي الأرجح إلي200 مليار جنيه, أي بواقع1.25% منها؟.

وللعلم فإن هذه المعاشات ليست منحة من الحكومة أو من أي شريحة اجتماعية

, للفقراء الذين يتلقونها, بل هي أقل من الحقوق الأصلية لهؤلاء الفقراء المتمثلة في حصتهم كمواطنين في إيرادات الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز التي يتساوي كل المواطنين في الحقوق فيها, وحصتهم أيضا من إيرادات ما بنته الأجيال السابقة والسحيقة مثل إيرادات قناة السويس وريع التوظيف السياحي للآثار الفرعونية والقبطية والإسلامية.

وفيما يتعلق بزيادة الرواتب

, فإن بيان الحكومة يشير إلي أنها ستزيد بنسب تتراوح بين75% و100% خلال السنوات الست المقبلة, بما يعني أن ارتفاع الأسعار سيلتهم معظمها إذا ظل معدل التضخم عند مستوياته المرتفعة المسجلة في العامين الماضيين كما أن نظام الرواتب الحالي هو نظام ظالم كلية ولا يحقق توزيعا عادلا للدخل بين أصحاب حقوق العمل من عمال وفلاحين أجراء وموظفين ومهنيين من جهة وبين أصحاب حقوق التملك من دولة ورجال أعمال من جهة أخري ورغم أن متوسط نصيب الفرد من الدخل بلغ حسب بيان الحكومة نحو7666 جنيها سنويا أي نحو640 جنيها شهريا إلا أن الحد الأدني لأجر العامل في الجهاز الحكومي يصل لنحو45 جنيها شهريا أي نحو7% فقط من متوسط نصيب الفرد من الدخل شهريا في مصر, علما بأن الحد الأدني لأجر العامل في عام1953 كان18 قرشا في اليوم أي أكثر من50 جنيها في العام, في وقت كان متوسط نصيب الفرد فيه من الدخل نحو40 جنيها سنويا. وللعلم فإن الحد الأدني الحالي لأجر العامل لا يشتري أكثر من1.5 كيلو من اللحم البلدي, في حين أن الحد الأدني للأجر في عام1953 كان يشتري أكثر من50 كيلو من اللحم آنذاك! ويشير بيان الحكومة أيضا إلي أنه تم استصلاح330 ألف فدان جديد دون تحديد الفترة الزمنية التي تم فيها هذا الاستصلاح, مما يفقد هذا البيان أي مدلول له, علما بأنه تم استصلاح174.5 ألف فدان في7 سنوات من العام المالي1997/1996 إلي العام المالي2003/2002, بواقع24.9 ألف فدان سنويا وهو أقل مستوي للاستصلاح الزراعي في مصر منذ نصف قرن علي الاقل.. ويشير بيان الحكومة أيضا إلي أن المساحة المزروعة بلغت8.4 مليون فدان, وهي مغالطة للبيانات الرسمية, حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في الكتاب الإحصائي السنوي الصادر في يونيو2004, إلي أن الرقعة المزروعة تبلغ نحو6.7 مليون فدان( صـ247 ـ248).

وهناك الكثير من القضايا التي أثارها بيان الحكومة والتي تحتاج لتعقيبات في نفس حجم البيان

, ولا مجال لذكرها في هذه المساحة, لكن من الضروري أن تقوم الحكومة بمراجعة وإعادة صياغة أهدافها وخططها لتحقيقها, وأن تتواضع كثيرا عندما تتحدث عما تسميه إنجازات, وأن تدرك أنها تحكم شعبا عظيما يستحق إدارة اقتصاده بصورة أكثر كفاءة وعدلا وشفافية

كفاية

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


مع السلامة.. علي صوتك يللا إبعت تحت ! علُي صوتك table style='width:0px;border:0px;'>toolbar powered by Conduit